الشيخ السبحاني

11

سيد المرسلين

( 1 ) ولقد كانت مجالس الدرس والتعليم في مسجد المدينة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تتسم بروعة كبيرة بحيث عندما شاهد وفد ثقيف مشهدا من مشاهدها انبهروا به ، وعجبوا بشدة لاهتمام المسلمين بتعلم الاحكام واكتساب المعارف والعلوم « 1 » . كما أنه كانت تمارس الأمور القضائية والفصل بين الخصومات ، واصدار الحكم على المجرمين في المسجد ، فكان المسجد يومذاك بمنزلة محكمة ( بكل معنى الكلمة ) أي أنها تقوم بكل ما تقوم بها المحاكم اليوم . هذا مضافا إلى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يلقي خطبه الحماسية والجهادية لتعبئة المسلمين من أجل مجاهدة الكفار والمشركين في المسجد . ( 2 ) ولعل من حكمة الاجتماع في المسجد لأجل تحصيل المعارف وتعلم العلوم هو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أراد بذلك أن يثبت عمليا أن العلم والدين توأمان لا ينفكان فكلما كان هناك مركز للايمان وجب ان يكون محلا للعلم أيضا . وأما ممارسة القضاء والقيام بالخدمات الاجتماعية ، واتخاذ القرارات العسكرية في المسجد فقد كان لأجل أن يعلن للجميع بأن دينه ليس مجرد أمر معنوي لا يتصل بالأمور الدنيوية ولا تهمه قضايا الحياة وشؤون المعيشة المادية ، بل هو دين شامل كامل لا يحض الناس على التقوى ، ولا يدعوهم إلى الايمان إلّا ويهتم أيضا بشئونهم المعيشية وإصلاح أوضاعهم الاجتماعية . فليس هو بالتالي يهتمّ بجانب ويغفل جانبا ، بل هو دين شامل جامع يتكفل الأمور المادية والمعنوية معا . ( 3 ) ولقد كان هذا التلاقي والانسجام ( بين العلم والإيمان ) محطّ اهتمام المسلمين ونصب أعينهم دائما حتى بعد ما اتخذت المراكز التعليمية والمؤسسات العلمية البحتة شكلا مستقلا وصار لها محل خاص تدرس فيه ، فإنهم ظلوا يبنون

--> ( 1 ) تاريخ الخميس : ج 2 ص 136 .